القرطبي
151
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الفصل السادس روى أبو عمر ابن عبد البر في « التمهيد » « 1 » عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : « أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعنّ عنه ، وإن آية ذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد رجم ، وأن أبا بكر قد رجم ، وإنّا قد رجمنا بعدهما ، وسيكون أقوام من هذه الأمة يكذبون بالرجم ، ويكذبون بالدجّال ، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ، ويكذبون بعذاب القبر ، ويكذبون بالشفاعة ، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا » . قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : هؤلاء هم القدرية والخوارج ، ومن سلك سبيلهم ، وافترقوا في ذلك فرقا . فصار أبو الهذيل وبشر : إلى أن من خرج عن سمة الإيمان ، فإنه يعذب بين النفختين ، وأن المسألة إنما تقع في تلك الأوقات . وأثبت البلخي وكذلك الجبائي وابنه عذاب القبر ، ولكنهم نفوه عن المؤمنين ، وأثبتوه للكافرين والفاسقين . وقال الأكثرون من المعتزلة لا يجوز تسمية ملائكة اللّه تعالى بمنكر ونكير ، وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل ، وتقريع الملكين له هو النكير ، وقال صالح : عذاب القبر جائز ، وأنه يجري على الموتى من غير ردّ الأرواح إلى الأجساد ، وأن الميت يجوز أن يألم ويحس ويعلم ، وهذا مذهب جماعة من الكرّامية . وقال بعض المعتزلة : إن اللّه يعذّب الموتى في قبورهم ، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون ، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام . وزعموا أن سبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران أو المغشي عليه ، لو ضربوا لم يجدوا الآلام ، فإذا عاد إليهم العقل وجدوا تلك الآلام ؛ وأما الباقون من المعتزلة ، مثل ضرار بن عمرو وبشر المرّيسي ويحيى بن كامل وغيرهم ، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلا ، وقالوا : إنّ من مات فهو ميّت في قبره إلى يوم البعث وهذه أقوال كلها فاسدة تردها الأخبار الثابتة ، وفي التنزيل : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [ غافر : 46 ] ، وسيأتي من الأخبار مزيد بيان وباللّه التوفيق والعصمة . واللّه أعلم . * * *
--> ( 1 ) . ( 23 / 98 ) .